أثار التقدم المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي جدلاً واسعاً حول مستقبل العمل والأتمتة. وبينما تُظهر الأنظمة الذكية قدرات مبهرة في الاختبارات المعملية، تظل قدرتها على إنجاز مشاريع عمل حقيقية ذات قيمة اقتصادية ملموسة موضع تساؤل. دراسة جديدة تسعى إلى تقييم هذه القدرة من خلال إطار قياس مبتكر، وهو ما يعرف بـ «مؤشر العمل عن بُعد»، بهدف تحديد حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مهام العمل عن بعد.
تأتي هذه الدراسة في وقت يشهد فيه سوق العمل تحولات كبيرة مدفوعة بالتقنيات الرقمية، مما يجعل فهم إمكانات وقيود الذكاء الاصطناعي أمراً بالغ الأهمية لصناع القرار والباحثين على حد سواء. وتهدف إلى تقديم تقييم واقعي لقدرة هذه التقنيات على تغيير طبيعة الوظائف الحالية والمستقبلية.
ما وراء المعايير الاصطناعية لـ الذكاء الاصطناعي
غالباً ما تركز اختبارات الذكاء الاصطناعي التقليدية على مهام محددة ومعزولة، مثل كتابة أسطر برمجية قصيرة أو الإجابة على أسئلة تقنية. ورغم أهمية هذه الاختبارات، إلا أنها لا تعكس التعقيد والتكامل الذي يميز العمل المهني الحقيقي. فهي لا تأخذ في الاعتبار الحاجة إلى التفكير النقدي وحل المشكلات والتواصل الفعال، وهي مهارات أساسية في العديد من الوظائف.
من هنا، جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد» لتقديم تقييم أكثر شمولية. يقيس هذا المؤشر قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، على غرار ما يُطلب من المهنيين العاملين لحساب عملاء حقيقيين. وتشمل هذه المشاريع مجالات متنوعة مثل التصميم الجرافيكي، والهندسة المعمارية، وإنتاج الفيديو، وتحليل البيانات، وتطوير الألعاب، وإعداد الوثائق.
منهجية المؤشر
تعتمد الدراسة على قاعدة بيانات تضم 240 مشروع عمل حر مكتمل، حيث يتضمن كل مشروع وصفاً تفصيلياً للمهمة، والملفات اللازمة للتنفيذ، والمخرجات النهائية التي أنجزها متخصصون بشريون كمعيار قياسي. كما تم جمع بيانات حول الوقت والتكلفة اللازمة لإنجاز كل مشروع، حيث استغرق المشروع الواحد في المتوسط 29 ساعة، وتجاوزت تكاليفه أحياناً 10 آلاف دولار.
تم تقييم أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي من خلال عملية تقييم بشرية دقيقة، حيث تم منح الأنظمة نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على مدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل.
نتائج الدراسة: حدود الأتمتة الحالية
على الرغم من التقدم الملحوظ في قدرات الذكاء الاصطناعي، كشفت النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية لا تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بُعد بشكل واسع النطاق. فقد بلغ أعلى معدل أتمتة تم تحقيقه 2.5% فقط، مما يعني أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة تم إنجازها بمستوى احترافي مقبول مقارنة بالعمل البشري.
يشير هذا إلى أن التحسن في المعايير التقنية لا يترجم بالضرورة إلى قدرة فورية على استبدال العمل البشري. حتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة الشيفرات أو توليد الصور والنصوص غالباً ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة أو الالتزام بتفاصيل معقدة.
مجالات التفوق والضعف في الذكاء الاصطناعي
أظهر التحليل النوعي أن الذكاء الاصطناعي واجه صعوبات متكررة بسبب أخطاء تقنية أساسية، مثل الملفات التالفة أو غير القابلة للاستخدام، أو المخرجات الناقصة وغير المتسقة. وفي بعض الحالات، كانت المشاريع مكتملة شكلياً ولكنها لا ترقى إلى المستوى المهني المطلوب.
ومع ذلك، رصدت الدراسة مجالات محدودة أظهر فيها الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل نسبياً، خاصة في المهام التي تركز على معالجة النصوص، أو توليد الصور، أو التعامل مع الصوت. وتشمل هذه المهام التحرير الصوتي، والتصميم البصري البسيط، وكتابة التقارير، وتصور البيانات. وهذا يؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قيمة لتعزيز الإنتاجية في بعض أنواع العمل.
مستقبل العمل والذكاء الاصطناعي: نظرة إلى الأمام
على الرغم من التحسن النسبي بين النماذج المختلفة، لا تزال معدلات الأتمتة المطلقة منخفضة. تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بُعد ليس وشيكاً في الوقت الراهن. بدلاً من ذلك، من المرجح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي متمثلاً في تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، وليس استبدال الوظائف بالكامل. كما أن التعلم الآلي سيستمر في التطور.
من المتوقع أن يستمر تطوير أدوات مثل «مؤشر العمل عن بُعد» في لعب دور حاسم في تقييم التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي، وفصل التوقعات المبالغ فيها عن الواقع. وستساعد هذه الأدوات في ضمان أن يتم بناء النقاش حول مستقبل العمل على أساس الأدلة، وليس الافتراضات. من المهم أيضاً مراقبة التطورات في مجال التحول الرقمي وتأثيرها على سوق العمل.
في المستقبل القريب، من المرجح أن نشهد المزيد من التعاون بين البشر والآلات، حيث يركز الذكاء الاصطناعي على أتمتة المهام الروتينية والمتكررة، بينما يظل البشر مسؤولين عن المهام التي تتطلب التفكير النقدي والإبداع والمهارات الاجتماعية.
