بعد سنوات من التوقعات، تقترب فكرة السيارات الطائرة، وتحديداً الطائرات الكهربائية ذات الإقلاع والهبوط العمودي (eVTOL)، من التحول إلى واقع ملموس. هذه الطائرات، التي تشبه سيارات الأجرة الجوية، تعد بتغيير جذري في طريقة التنقل داخل المدن وبينها، ولكن تحقيق ذلك يتطلب التغلب على تحديات تنظيمية وتشغيلية كبيرة. الشركات الناشئة في هذا المجال تسعى لإثبات جدوى هذه التكنولوجيا، ليس للمستثمرين فحسب، بل أيضاً للجهات الحكومية والجمهور.
على الرغم من أن رؤية طائرة eVTOL تنقل الركاب إلى مطار لوس أنجلوس الدولي لا تزال مجرد عرض رقمي، إلا أن بعض الشركات بدأت في وضع اللمسات النهائية على عملياتها التجارية. الهدف ليس فقط إثارة الإعجاب، بل بناء نظام نقل آمن وموثوق به، قادر على التعامل مع المجال الجوي المزدحم بالفعل.
انطلاق عمليات سيارات الأجرة الجوية eVTOL
تعتبر شركة جوبي أفييشن (Joby Aviation) من بين الشركات الرائدة التي تهدف إلى إطلاق خدمات سيارات الأجرة الجوية eVTOL في غضون أشهر. خلال قمة الويب التي عُقدت في لشبونة، قدمت الشركة رؤيتها لمستقبل النقل الجوي الحضري، مؤكدةً أنها تجاوزت مرحلة المفاهيم والنماذج الأولية.
بدلاً من التركيز على الرحلات الطويلة إلى المطارات الرئيسية، بدأت جوبي أفييشن باستكشاف حالات استخدام أكثر واقعية، مثل ربط ماونتن فيو بوسط مدينة سان فرانسيسكو. وفقاً للشركة، يمكن لطائرة eVTOL ذات المراوح الستة، والتي تتسع لأربعة ركاب بالإضافة إلى الطيار، أن تقلل وقت الرحلة بين هاتين النقطتين من ساعة ونصف إلى 15 دقيقة فقط.
ومع ذلك، يرى المحللون أن فكرة تشغيل أعداد كبيرة من سيارات الأجرة الجوية في المناطق التجارية المزدحمة قد تكون غير عملية على نطاق واسع. لذلك، تركز جوبي أفييشن أيضاً على توفير خدمات النقل إلى المطارات، حيث توجد بالفعل بنية تحتية مناسبة لإدارة حركة الطيران.
تتعاون جوبي أفييشن مع شركات طيران كبرى مثل دلتا إيرلاينز وفيرجين أتلانتيك وأول نيبون إيروايز لتوسيع نطاق خدماتها. وتتوقع الشركة إتاحة خدمات الركاب في دبي في وقت قريب، مما يعكس ثقتها في إمكانات السوق العالمية.
توسيع نطاق الخدمات ليشمل النقل الفاخر
بالإضافة إلى خدمات سيارات الأجرة الجوية القياسية، تستهدف جوبي أفييشن أيضاً شريحة العملاء الأثرياء الذين يبحثون عن خيارات نقل سريعة وفاخرة. وقد استحوذت الشركة في أغسطس الماضي على شركة بليد إير موبيليتي (Blade Air Mobility)، وهي شركة متخصصة في خدمات الطائرات المروحية، في صفقة بلغت قيمتها 125 مليون دولار.
تقدم بليد حالياً رحلات طائرات هليكوبتر بين مطار مقاطعة ويستشستر ومانهاتن بأسعار تتراوح بين 125 و225 دولاراً للرحلة الواحدة. تهدف جوبي أفييشن إلى تقديم أسعار تنافسية لخدمات eVTOL الخاصة بها، مع مطابقة أسعار خدمة أوبر بلاك تقريباً على أساس كل مقعد.
وتعتبر أوبر (Uber) شريكاً استراتيجياً لجوبي أفييشن، حيث استحوذت جوبي على قسم أوبر إليفيت (Uber Elevate) في عام 2021، وزادت أوبر من استثماراتها في جوبي لتصل إلى 125 مليون دولار، مع الاتفاق على دمج خدمات جوبي المستقبلية في تطبيقات أوبر.
التحديات التنظيمية والبنية التحتية لـ eVTOL
على الرغم من التقدم المحرز، لا تزال هناك العديد من التحديات التي تواجه انتشار سيارات الأجرة الجوية eVTOL. تشمل هذه التحديات الحصول على الموافقات التنظيمية من إدارة الطيران الفيدرالية (FAA)، وتطوير البنية التحتية اللازمة لدعم عمليات الشحن والصيانة، وضمان سلامة الركاب في المجال الجوي المزدحم.
تجري جوبي أفييشن حالياً اختبارات التشغيل لطائرتها الأولى المصممة وفقاً للتصميم النهائي الذي ستحتاج إدارة الطيران الفيدرالية إلى اعتماده. وتأمل الشركة في إجراء رحلات تجريبية بقيادة طياريها وطياري إدارة الطيران الفيدرالية، ولكنها ترفض التنبؤ بموعد إصدار الشهادة.
تسعى جوبي أفييشن أيضاً إلى بدء عمليات ما قبل التجارية في دبي قبل الحصول على شهادة إدارة الطيران الفيدرالية، مع الأخذ في الاعتبار أن شهادة إدارة الطيران الفيدرالية ستكون بمثابة توطئة لاعتماد سلامة الطيران في أماكن أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، ستحتاج جوبي أفييشن إلى بناء مطارات عمودية (Vertiports) في الأسواق المستهدفة، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة وتنسيقاً مع السلطات المحلية. كما يجب عليها العمل مع نظام مراقبة حركة الطيران الحالي، الذي يعاني بالفعل من ضغوط.
في الختام، على الرغم من التحديات الكبيرة، فإن مستقبل سيارات الأجرة الجوية eVTOL يبدو واعداً. الخطوة التالية الحاسمة هي الحصول على شهادة النوع من إدارة الطيران الفيدرالية، والتي ستفتح الباب أمام عمليات تجارية واسعة النطاق. سيكون من المهم أيضاً مراقبة تطور البنية التحتية اللازمة، وكيفية تكامل هذه الطائرات في المجال الجوي الحالي، ومدى تقبل الجمهور لهذه التكنولوجيا الجديدة.
