كشفت مؤسسة دبي للمستقبل عن نمو ملحوظ في مجال العلاج الجيني خلال السنوات الأخيرة، مع إقرار أكثر من 20 علاجًا جينيًا حول العالم، بالإضافة إلى مئات التجارب السريرية الجارية لعلاج مجموعة واسعة من الأمراض الوراثية النادرة، والسرطانات، وأمراض الدم، واضطرابات المناعة، وحتى بعض الأمراض العصبية والقلبية. ويشكل هذا التطور العلمي نقطة تحول في مستقبل الرعاية الصحية، ولكنه يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتكلفة والوصول العادل.
يأتي هذا التقرير الذي صدر مؤخرًا تحت عنوان “حلول عالمية من أجل مستقبل مشترك” ضمن سلسلة تقارير “الفرص المستقبلية: 50 فرصة عالمية” الصادرة عن المؤسسة. ويسلط الضوء على الإمكانات الهائلة التي يحملها العلاج الجيني، ولكنه يؤكد أيضًا على الحاجة إلى معالجة العقبات التي تحول دون استفادة المرضى على نطاق واسع.
توسع نطاق العلاج الجيني وتحديات الوصول إليه
لم يعد العلاج الجيني مجرد مفهوم نظري، بل أصبح واقعًا ملموسًا يقدم أملًا جديدًا للمرضى الذين يعانون من أمراض وراثية خطيرة. وتشير التقديرات إلى أن تكلفة بعض العلاجات الجينية يمكن أن تتجاوز 2.1 مليون دولار للجرعة الواحدة، مما يضعها في متناول شريحة محدودة جدًا من السكان. وهذا التفاوت يثير تساؤلات حول العدالة والإنصاف في الحصول على هذه العلاجات المنقذة للحياة.
بالإضافة إلى ارتفاع التكلفة، تشمل التحديات الأخرى تعقيد سلاسل الإمداد، والحاجة إلى بنية تحتية متخصصة، وتوافر الخبرات اللازمة لإدارة هذه العلاجات، فضلاً عن ضرورة وجود بيانات شاملة حول سلامتها وفعاليتها على المدى الطويل. ويتطلب التغلب على هذه العقبات تعاونًا وثيقًا بين القطاعين العام والخاص، والمؤسسات البحثية، والجهات التنظيمية، وجمعيات المرضى.
الحلول المقترحة لضمان الوصول العادل
قدمت مؤسسة دبي للمستقبل ستة حلول رئيسية لمواجهة هذه التحديات، بما في ذلك: تطوير تقنيات جديدة لخفض تكلفة العلاج، وابتكار أدوات مالية مبتكرة مثل سياسات التسعير المرنة وخيارات الاشتراك، وتعزيز التعاون العالمي لتبادل المعرفة والموارد، ودعم وتنويع طرق توزيع العلاجات، وبناء القدرات التصنيعية المحلية، وتبسيط إجراءات الموافقة على هذه العلاجات.
وتدعو المؤسسة إلى إطلاق مبادرات عالمية لضمان وصول العلاج الجيني إلى جميع المرضى الذين يحتاجون إليه، بغض النظر عن جنسيتهم أو وضعهم الاجتماعي والاقتصادي. ويشمل ذلك إنشاء صناديق دعم مالي، وتقديم حوافز للشركات المصنعة، وتسهيل نقل التكنولوجيا والمعرفة إلى البلدان النامية.
أمثلة على العلاجات الجينية المعتمدة
شهدت السنوات الأخيرة إقرار عدد من العلاجات الجينية المبتكرة لعلاج أمراض مختلفة. ومن بين هذه العلاجات دواء “سبينراز” (Spinraza) لعلاج ضمور العضلات الشوكي، والذي ساعد العديد من المرضى على استعادة بعض القدرات الحركية المفقودة. وكذلك دواء “زولجنسما” (Zolgensma) الذي يوفر علاجًا فعالًا لهذه الحالة المرضية قبل أن تتسبب في أضرار جسيمة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك دواء “زينتيجلو” (Zynteglo) الذي يقدم حلاً جذريًا لمرضى الثلاسيميا بيتا، مما يقلل من حاجتهم إلى عمليات نقل الدم المتكررة. وأيضًا، حقق دواء “لينميلدي” (Lenmeldy) نتائج واعدة في علاج مرض حثل المادة البيضاء متبدل اللون، وهو اضطراب وراثي نادر يهدد الحياة. كما أن العلاجات بالخلايا التائية (CAR-T) تمثل تطورًا كبيرًا في علاج بعض أنواع السرطان التي لم تستجب للعلاجات التقليدية. تُظهر هذه الأمثلة القدرة المتزايدة للعلاج الجيني على تغيير مسار الأمراض وتحسين حياة المرضى.
مستقبل العلاج الجيني والتوجهات المحتملة
تتوقع مؤسسة دبي للمستقبل أن يستمر التوسع في نطاق استخدام العلاجات الجينية لعلاج المزيد من الأمراض في المستقبل القريب، وخاصةً أمراض الدم الوراثية وأمراض الأيض. ويعتمد ذلك على تحقيق تقدم مستمر في الأبحاث والتطوير، وتوافر التمويل اللازم، وتسهيل التعاون بين مختلف الجهات المعنية. يشمل ذلك تطوير تقنيات توصيل الجينات الأكثر فعالية وأمانًا، وتحسين عمليات التصنيع لخفض التكلفة وزيادة الإنتاج.
وتطرح المؤسسة سيناريو مستقبليًا يتعلق بإمكانية التوصل إلى اتفاقية دولية بشأن الحمض النووي البشري، واعتماد ميثاق عالمي للتحرير الوراثي. وتمثل هذه الخطوة تحديًا كبيرًا نظرًا للتعقيدات الأخلاقية والتنظيمية والقانونية التي تحيط بهذا الموضوع، ولكنها قد تفتح الباب أمام استخدام العلاج الجيني بشكل أكثر مسؤولية وفعالية على مستوى العالم. في الوقت الحالي، يظل هذا الاحتمال بعيد المدى، ويتطلب حوارًا دوليًا مستمرًا لبناء الثقة وتحديد المعايير والضوابط المناسبة.
على المدى القصير والمتوسط، من المتوقع أن تركز الجهود على توسيع نطاق الوصول إلى العلاجات الجينية المتاحة حاليًا، من خلال خفض التكاليف، وتبسيط إجراءات الموافقة، وتنويع طرق التوزيع. كما ستشهد السنوات القادمة زيادة في عدد التجارب السريرية التي تهدف إلى تقييم فعالية العلاج الجيني في علاج مجموعة واسعة من الأمراض. ومن الضروري متابعة هذه التطورات عن كثب، وتحليل النتائج بعناية، لتقييم المخاطر والفوائد المحتملة، واتخاذ القرارات المستنيرة بشأن مستقبل هذه التكنولوجيا الواعدة.
من أبرز الأمور التي يجب مراقبتها خلال الفترة المقبلة، هي التقدم في مجال تقنيات تحرير الجينات مثل CRISPR-Cas9، وتأثيرها على تطوير علاجات جديدة وأكثر دقة وفعالية. بالإضافة إلى ذلك، يجب متابعة التطورات التنظيمية والقانونية المتعلقة بالعلاج الجيني في مختلف البلدان، وتقييم مدى تأثيرها على سرعة تبني هذه التكنولوجيا وانتشارها.
