أكد متخصصون وأطباء نفسيون أن العنف اللفظي يشكل أحد أخطر أنواع العنف الأسري، لما يتركه من آثار نفسية عميقة وطويلة الأمد قد تفوق الضرر الناتج عن العنف الجسدي. وحذروا الأسر من الاستهانة بالكلمات القاسية، وتأثيرها المدمر على الأطفال، حتى تلك التي تبدو بسيطة مثل النقد المستمر لقدراتهم أو مظهرهم.

وأضافوا أن العنف اللفظي لا يقتصر على الإهانات المباشرة، بل يشمل أيضاً السخرية، والتهديد، والتوبيخ الشديد، والتقليل من شأن الآخرين أمام الطفل، مما يؤثر سلباً على نموه العاطفي والاجتماعي. وأشاروا إلى أن التعرض المستمر لهذا النوع من العنف قد يؤدي إلى مشاكل نفسية وسلوكية خطيرة.

أثر العنف اللفظي على النمو النفسي للطفل

يشير الخبراء إلى أن العنف اللفظي يؤثر بشكل كبير على تطور دماغ الطفل، خاصة خلال السنوات الأولى من حياته. فقد أظهرت الأبحاث أن التعرض المزمن للصراخ والإهانة يمكن أن يؤدي إلى تغيرات هيكلية في الدماغ، مثل انخفاض حجم الجسم الثفني، وهو الجزء المسؤول عن التواصل بين نصفي الكرة المخية. وهذا بدوره يؤثر على القدرات المعرفية والسلوك الاجتماعي للطفل.

وبحسب ما ذكره استشاريو الطب النفسي، فإن العنف اللفظي يزيد أيضاً من نشاط اللوزة الدماغية، وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة الخوف والغضب. وهذا يجعل الطفل أكثر حساسية للتهديدات، وأكثر عرضة للاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب.

تأثير الكلمات الجارحة على الثقة بالنفس

التكرار في توجيه عبارات سلبية للطفل، مثل “أنت غبي” أو “لا فائدة منك”، يمكن أن يرسخ صورة ذاتية سلبية في ذهنه. ومع مرور الوقت، قد يبدأ الطفل في تصديق هذه العبارات، مما يؤدي إلى تدني الثقة بالنفس، والشعور بالنقص، وفقدان الأمل في المستقبل. هذا يؤثر بشكل كبير على قدرته على تحقيق النجاح في مختلف جوانب حياته.

العنف اللفظي والتنمر

وقد يلجأ الطفل الذي يتعرض للعنف اللفظي في المنزل إلى سلوكيات عدوانية تجاه الآخرين، سواء في المدرسة أو في محيطه الاجتماعي. وذلك كآلية دفاعية للتعبير عن الألم والغضب اللذين يشعر بهما. في حالات أخرى، قد يتحول الطفل إلى ضحية للتنمر، بسبب ضعف ثقته بنفسه.

العنف اللفظي في البيئة المدرسية والاجتماعية

لا تقتصر آثار العنف اللفظي على البيئة الأسرية، بل تمتد لتشمل المدرسة والمجتمع. فالطفل الذي يعاني من العنف اللفظي قد يواجه صعوبات في التركيز، وتكوين علاقات صحية مع أقرانه، والمشاركة في الأنشطة المدرسية. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تدني المستوى الدراسي، والانعزال الاجتماعي، والشعور بالوحدة.

وبحسب الخبيرة التربوية الدكتورة أمينة الماجد، فإن التعرف على علامات العنف اللفظي لدى الأطفال أمر ضروري للتدخل المبكر وتقديم الدعم اللازم. وتشمل هذه العلامات التغير المفاجئ في السلوك، والقلق الزائد، والخوف من الفشل، والشكاوى الجسدية المتكررة، والانطواء الشديد، أو العدوانية.

بدائل للتربية القائمة على العنف اللفظي

ويؤكد المتخصصون أن التربية القائمة على الصراخ والتهديد ليست فعالة، بل هي مدمرة. ويقترحون اتباع أساليب تربوية إيجابية تعتمد على الحوار، والاحترام المتبادل، والتشجيع، والتعزيز الإيجابي. وشددوا على أهمية تجنب مناقشة المشكلات خلال لحظات الغضب، والابتعاد المؤقت عن الطفل حتى تهدأ المشاعر، ثم التحدث معه بهدوء وبأسلوب بناء.

كما أكدت الاستشارية الأسرية لمى الصفدي على أهمية أن يكون الوالدان قدوة حسنة لأطفالهما، من خلال تجنب العنف اللفظي في تعاملهما مع بعضهما البعض ومع الآخرين. موضحة أن الأطفال يتعلمون من خلال الملاحظة والتقليد، وأن مشاهدة العنف اللفظي في المنزل قد يجعلهم يعتقدون أنه سلوك مقبول.

أما الدكتورة ساميوكتا جایا، أخصائية الطب النفسي، فأشارت إلى أن العلاج السلوكي المعرفي يمكن أن يكون فعالاً في مساعدة الأطفال والبالغين على التغلب على آثار العنف اللفظي. وتتمثل أهداف هذا العلاج في تغيير الأفكار والسلوكيات السلبية، وتعزيز الثقة بالنفس، وتحسين العلاقات الاجتماعية.

تتزايد الدعوات إلى رفع الوعي بمخاطر العنف اللفظي وتوفير الدعم اللازم للأطفال وأسرهم. وتعمل العديد من المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية على إطلاق حملات توعية وتقديم خدمات الإرشاد والاستشارة. ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة المزيد من الجهود لمكافحة هذه الظاهرة وحماية حقوق الأطفال.

شاركها.