تلجأ العديد من الشركات والمؤسسات في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى إصدار تأمين صحي شكلي لموظفيها، بهدف استيفاء المتطلبات القانونية المتعلقة بالتوظيف وإجراءات الإقامة، دون توفير تغطية فعلية كافية. ويكشف الموظفون المتضررون عن رفض المستشفيات والمراكز الطبية قبول وثائقهم التأمينية، واقتصار التغطية على حالات الطوارئ المهددة للحياة فقط، مما يثير تساؤلات حول مدى التزام شركات التأمين بتقديم خدمات حقيقية، والرقابة على هذه الممارسات.
وتزايدت الشكاوى من قبل العاملين الذين يؤكدون أن هذه الوثائق لا تقدم لهم أي فائدة حقيقية في حال الحاجة إلى رعاية صحية. ويجدون أنفسهم مضطرين لتحمل تكاليف العلاج بأنفسهم، حتى في الحالات التي يفترض أن تكون مشمولة بالتأمين.
انتشار التأمين الصحي الشكلي وتأثيره على العاملين
تتلقى الجهات المعنية في الدولة، بما في ذلك وزارة الموارد البشرية والتوطين، شكاوى متزايدة بشأن التأمين الصحي الذي تقدمه بعض الشركات. ويصف الموظفون هذه الوثائق بأنها مجرد “إجراء شكلي” يهدف إلى استكمال الأوراق الرسمية، دون أي اهتمام حقيقي بصحة وسلامة العاملين. وتتعلق المشكلات برفض المستشفيات لبطاقات التأمين، أو بتقديم تغطية محدودة جدًا لا تتناسب مع احتياجات الموظفين.
أفادت أماني شريف، وهي تعمل في وظيفة فنية، بأن وثيقة التأمين التي حصلت عليها من شركة معروفة لم تعد مقبولة في المراكز الطبية التي كانت تتعامل معها في العام الماضي. وبعد التواصل مع خدمة العملاء، تم توجيهها إلى مراكز غير معروفة رفضت بدورها قبول بطاقة التأمين. وتشير هذه الحالات إلى وجود خلل في شبكات مقدمي الخدمة المرتبطة ببعض وثائق التأمين.
فيما ذكرت عبير حسين، التي تعمل في فرع مؤسسة مقرها في إمارة أخرى، أن التأمين الصادر لها غير فعال في الإمارة التي تقيم وتعمل بها. وعلى الرغم من ذكر بعض المراكز الطبية ضمن مزايا البطاقة على التطبيق الإلكتروني الخاص بشركة التأمين، إلا أنها واجهت صعوبات في استخدامه فعليًا.
قيود على التغطية في حالات الطوارئ
وكشفت عبير عن موقف صعب واجهته عندما شعرت بتعب شديد وضيق في التنفس. رفضت المستشفى استقبالها تحت التأمين، وأبلغوها بأن التغطية تقتصر على حالات الطوارئ المهددة للحياة فقط، مما اضطرها لتحمل تكاليف العلاج بنفسها. يُعد هذا التقييد في التغطية مصدر قلق كبير للموظفين.
عمر عبدالله، موظف آخر، أكد أنه لم يتمكن من استخدام بطاقة التأمين التي حصل عليها من جهة عمله منذ شهرين، بسبب رفض جميع المنشآت الطبية قبولها. بعد تقديم شكوى لشركة التأمين، أُخبر بأن المشكلة تقع بينه وبين صاحب العمل، الذي يختار نوع الوثيقة.
الجهات الرقابية تؤكد على أهمية التأمين الفعلي
من جانبه، صرح عبد المحسن جابر، رئيس لجنة التأمين الصحي في اتحاد الإمارات للتأمين، بأن إصدار وثائق تأمين صحي شكلية يعد أمرًا مستبعدًا نظرًا للرقابة المشددة من قبل المصرف المركزي ودائرات الصحة. وأضاف أن الشركات المخالفة قد تتعرض للمساءلة وغرامات كبيرة.
وأشار جابر إلى أن المشكلة قد تكمن في وجود وثائق غير صحيحة صادرة عن جهات غير مرخصة تنتحل أسماء شركات تأمين معروفة. وحذر من الوقوع ضحية لهذه الشركات المزيفة التي تعرض أسعارًا منخفضة جدًا، والتي غالبًا ما تكون غير قابلة للاستخدام عند الحاجة إلى العلاج.
وشدد على أهمية التعامل مع شركات التأمين المرخصة والتأكد من تفاصيل التغطية قبل الاشتراك. وفي حال كان التأمين من خلال جهة العمل، يجب على الموظف فهم حدود التغطية والاستثناءات المحددة.
الإطار القانوني ومسؤولية أصحاب العمل وشركات التأمين
يؤكد الدكتور يوسف الشريف، المستشار القانوني، أن التشريعات الإماراتية تلزم الشركات بتوفير تأمين صحي فعال للعاملين، وليس مجرد وثيقة شكلية. ويعتبر إصدار وثيقة غير مجدية مخالفة قانونية، وتحمل أصحاب العمل وشركات التأمين المسؤولية المشتركة.
وبيّن أن شركات التأمين التي تصدر وثائق تعلم مسبقًا أنها لن تفيد المؤمن عليه قد تكون شريكة في المخالفة القانونية. ويحق للعامل تقديم شكوى ضد جهة العمل وضد شركة التأمين في هذه الحالة.
ويشير المحامي سالم عبيد النقبي إلى أن هذه الممارسات تضر بثقة العاملين في بيئة العمل، وتقلل من قيمة سوق العمل. ويؤكد على أهمية تفعيل الرقابة وتطبيق العقوبات على المخالفين.
وستقوم الجهات الرقابية بتكثيف جهودها لمراقبة وثائق التأمين المقدمة للعاملين، والتأكد من مطابقتها للمعايير القانونية والصحية. ومن المتوقع صدور قرارات جديدة للحد من هذه الممارسات خلال الأشهر القادمة، مع التركيز على حماية حقوق العاملين وضمان حصولهم على رعاية صحية مناسبة. يبقى من الضروري متابعة تطورات هذا الملف وتأثيرها على سوق العمل.
